ابن الأثير

579

الكامل في التاريخ

الوحل ، تسوخ فيها قوائم الخيل إلى صدورها ، ويعجز الرجل عن المشي فيها ، وتقطّعت الطرق عنهم ، فأوقدوا رماحهم ، وقرابيس سروجهم ، وهلكوا جوعا وبردا وسوء حال . وكان عبد المؤمن وأصحابه في أرض خشنة صلبة في الجبل ، لا يبالون بشيء ، والميرة متّصلة إليهم ، وفي ذلك الوقت سيّر عبد المؤمن جيشا إلى وجرة من أعمال تلمسان ، ومقدّمهم أبو عبد اللَّه محمّد بن رقو ، وهو من أيت خمسين ، فبلغ خبرهم إلى محمّد بن يحيى بن فانوا « 1 » ، متولّي تلمسان ، فخرج في جيش من الملثّمين ، فالتقوا بموضع يعرف بخندق الخمر ، فهزمهم جيش عبد المؤمن ، وقتل محمّد بن يحيى وكثير من أصحابه ، وغنموا ما معهم ورجعوا ، فتوجّه عبد المؤمن بجميع جيشه إلى غمارة ، فأطاعوه قبيلة بعد قبيلة ، وأقام عندهم مدّة . وما برح يمشي في الجبال ، وتاشفين يحاذيه في الصحاري ، فلم يزل عبد المؤمن كذلك إلى سنة خمس وثلاثين ، فتوفّي أمير المسلمين عليّ بن يوسف بمرّاكش وملك بعده ابنه تاشفين ، فقوي طمع عبد المؤمن في البلاد ، إلّا أنّه لم ينزل الصحراء . وفي سنة ثمان وثلاثين توجّه عبد المؤمن إلى تلمسان ، فنازلها ، وضرب خيامه في جبل بأعلاها ، ونزل تاشفين على الجانب الآخر من البلد ، وكان بينهم مناوشة ، فبقوا كذلك إلى سنة تسع وثلاثين ، فرحل عبد المؤمن عنها إلى جبل تاجرة ، ووجّه جيشا مع عمر الهنتاتيّ إلى مدينة وهران ، فهاجمها بغتة ، وحصل هو وجيشه فيها ، فسمع [ بذلك عبد المؤمن ] فسار إليها ، فخرج منها عمر ، ونزل تاشفين بظاهر وهران ، على البحر ، في شهر رمضان سنة تسع .

--> ( 1 ) فانوا . ldob : سادوا . p . c